ابن أبي الحديد
202
شرح نهج البلاغة
ما أكرمه الله به من النبوة حتى نقتصر على أخلاقه ومذاهبه وشيمه لما وفى به بشر ، ولا عدله شئ ، ولو شئنا أن نذكر ما أعطى الله به عبد المطلب من تفجر العيون وينابيع الماء من تحت كلكل بعيره وأخفافه بالأرض القسي ( 1 ) ، وبما أعطي من المساهمة وعند المقارعة من الأمور العجيبة ، والخصال البائنة ، لقلنا ، ولكنا أحببنا ألا نحتج عليكم إلا بالموجود في القرآن الحكيم ، والمشهور في الشعر القديم ، الظاهر على ألسنة الخاصة والعامة ورواة الاخبار وحمال الآثار . قال : ومما هو مذكور في القرآن عدا حديث الفيل قوله تعالى : ( لإيلاف قريش ) ، وقد اجتمعت الرواة على أن أول من أخذ الإيلاف لقريش هاشم بن عبد مناف ، فلما مات قام أخوه المطلب مقامه ، فلما مات قام عبد شمس مقامه ، فلما مات قام نوفل مقامه - وكان أصغرهم . والإيلاف ، هو أن هاشما كان رجلا كثير السفر والتجارة ، فكان يسافر في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام ، وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ومن ملوك اليمن والشام ، نحو العباهلة باليمن ، واليكسوم من بلاد الحبشة ، ونحو ملوك الروم بالشام ، فجعل لهم معه ربحا فيما يربح ، وساق لهم إبلا مع إبله ، فكفاهم مؤونة الاسفار ، على أن يكفوه مؤونة الأعداء في طريقه ومنصرفه ، فكان في ذلك صلاح عام للفريقين ، وكان المقيم رابحا ، والمسافر محفوظا ، فأخصبت قريش بذلك ، وحملت معه أموالها ، وأتاها الخير من البلاد السافلة والعالية ، وحسنت حالها ، وطاب عيشها . قال : وقد ذكر حديث الإيلاف الحارث بن الحنش السلمي ، وهو خال هاشم والمطلب وعبد شمس ، فقال : إن أخي هاشما * ليس أخا واحد الاخذ الإيلاف * والقائم للقاعد قال أبو عثمان : وقيل : إن تفسير قوله تعالى : ( وآمنهم من خوف ) هو خوف من كان هؤلاء الاخوة يمرون به من القبائل والأعداء وهم مغتربون ومعهم
--> ( 1 ) الأرض القسي : التي لا تنبت نباتا .